لِـيـنَـةُ وَأَسْرَارُ الْخَرِيفِ

لِـينَةُ وَأَسْرَارُ الخَرِيفِ حِكايَةٌ عَنِ الطِّفلَةِ لِينةَ الَّتِي تُعشِقُ فَصْلَ الخَرِيفِ، بِأَلْوَانِهِ وَهَوَائِهِ البَارِدِ وَعَجَائِبِهِ. مِنْ مَدْرَ…

لِـيـنَـةُ وَأَسْرَارُ الْخَرِيفِ
المؤلف team

لِـينَةُ وَأَسْرَارُ الخَرِيفِ

حِكايَةٌ عَنِ الطِّفلَةِ لِينةَ الَّتِي تُعشِقُ فَصْلَ الخَرِيفِ، بِأَلْوَانِهِ وَهَوَائِهِ البَارِدِ وَعَجَائِبِهِ. مِنْ مَدْرَسَةِ الزَّيْتُونِ إِلَى غَابَةِ البَلْدَةِ، سَتَتَعَلَّمُ لِينةُ أَسْرارَ هذَا الفَصْلِ المُثِيرِ، وَكَيْفَ تَسْتَعِدُّ فِيهِ الطَّبِيعَةُ لِفَصْلِ الشِّتاءِ، وَكَيْفَ يُمْكِنُ لِلأَطْفَالِ أَنْ يُحِبُّوا الأَرْضَ وَيَحْمُوها بِخُطُواتٍ بَسِيطَةٍ.

لِـينَةُ وَأَسْرَارُ الخَرِيفِ

قُدُومُ الخَرِيفِ

لِينةُ طِفْلَةٌ فِي سِنِّ العَاشِرَةِ ذَاتُ شَعْرٍ بُنِّيٍّ وَعَيْنَيْنِ لَامِعَتَيْنِ، تَسِيرُ بِمَرَحٍ فِي الطَّرِيقِ المُؤَدِّي إِلَى مَدْرَسَتِها الاِبْتِدَائِيَّةِ. كَانَ صَبَاحًا خَرِيفِيًّا مُنْعِشًا، وَالهَوَاءُ البَارِدُ يُدَاعِبُ أَوْرَاقَ الأَشْجَارِ، فَيَجْعَلُهَا تَتَمَايَلُ فِي رَقْصَةٍ هَادِئَةٍ جَمِيلَةٍ. لَقَدْ بَدَأَ الخَرِيفُ فِعْلًا، وَهذَا الفَصْلُ كَانَ المُفَضَّلَ لَدَى لِينةَ.

أَحَبَّتْ لِينةُ الأَلْوَانَ الَّتِي تُغَطِّي الأَرْضَ: الأَحْمَرَ وَالذَّهَبِيَّ وَالبُنِّيَّ، كَأَنَّهَا سِجَادٌ مُفْرُوشٌ تَحْتَ قَدَمَيْهَا. وَفِي الطَّرِيقِ تَوَقَّفَتْ لِينةُ لِتَلْتَقِطَ بَعْضَ أَوْرَاقِ الأَشْجَارِ المُتَنَاثِرَةِ وَالَّتِي أَعْجَبَتْ بِأَشْكَالِهَا وَأَلْوَانِهَا السَّاحِرَةِ. نَظَرَتْ لِينةُ إِلَيْهَا مُطَوَّلًا وَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا: «يَبْدُو وَكَأَنَّ لِكُلِّ وَرَقَةٍ قِصَّةً خَاصَّةً بِهَا».

عِنْدَمَا وَصَلَتْ إِلَى المَدْرَسَةِ، اِلْتَحَقَتْ بِفَصْلِهَا حَيْثُ كَانَتِ الأُسْتَاذَةُ مَرْيَم تَنْتَظِرُ التَّلَامِيذَ بِابْتِسَامَةٍ لَطِيفَةٍ. قَالَتْ لَهُمْ: «هذَا الأُسْبُوعَ سَنَكْتَشِفُ سَوِيًّا عَجَائِبَ فَصْلِ الخَرِيفِ. سَنَتَعَرَّفُ عَلَى سَبَبِ تَغَيُّرِ أَلْوَانِ أَوْرَاقِ الأَشْجَارِ، وَكَيْفَ تَسْتَعِدُّ الحَيَوَانَاتُ لِفَصْلِ الشِّتَاءِ، وَكَيْفَ نُحَافِظُ عَلَى بِيئَتِنَا فِي هذَا الفَصْلِ الجَمِيلِ».

فَرِحَتْ لِينةُ كَثِيرًا، فَهِيَ تُحِبُّ الطَّبِيعَةَ وَتَسْتَمْتِعُ بِاسْتِكْشَافِ أَسْرَارِهَا. كَانَتْ تَعْرِفُ أَنَّ الخَرِيفَ لَيْسَ فَقَطْ أَلْوَانًا جَمِيلَةً، بَلْ هُوَ وَقْتُ الاِسْتِعْدَادِ وَالتَّغَيُّرِ بِالنِّسْبَةِ لِلأَشْجَارِ وَالحَيَوَانَاتِ.

النُّزْهَةُ فِي غَابَةِ البَلْدَةِ

فِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، أَخَذَتِ الأُسْتَاذَةُ مَرْيَم تَلَامِيذَ الصَّفِّ فِي نُزْهَةٍ تَعْلِيمِيَّةٍ إِلَى غَابَةِ البَلْدَةِ القَرِيبَةِ مِنَ المَدْرَسَةِ. كَانَ الجَمِيعُ مُتَحَمِّسًا، لَكِنَّ لِينةَ كَانَتْ الأَكْثَرَ شَغَفًا، فَهِيَ تُحِبُّ اسْتِكْشَافَ الطَّبِيعَةِ بِكُلِّ تَفَاصِيلِهَا.

بَيْنَمَا كَانَ التَّلَامِيذُ يَسِيرُونَ فَوْقَ طَرِيقٍ مُغَطَّى بِالأَوْرَاقِ اليَابِسَةِ، سَمِعُوا صَوْتَ طَقْطَقَةٍ جَمِيلَةٍ قُرْبَ أَقْدَامِهِم. وَفِي الجِوَارِ، شَاهَدُوا السَّنَاجِبَ مُسْرِعَةً وَهِيَ تَجْمَعُ ثِمَارَ الجَوْزِ وَالبَلُّوطِ وَالبُنْدُقِ وَتَخْزِنُهَا، اسْتِعْدَادًا لِلْبَرْدِ القَادِمِ.

تَوَقَّفَتِ الأُسْتَاذَةُ مَرْيَم عِنْدَ شَجَرَةِ بَلُّوطٍ ضَخْمَةٍ وَقَالَتْ: «هَلْ تَعْلَمُونَ لِمَاذَا تَسْقُطُ الأَوْرَاقُ فِي الخَرِيفِ؟».

رَفَعَتْ لِيَّان يَدَهَا بِثِقَةٍ وَقَالَتْ: «لِتَسْتَطِيعَ الأَشْجَارُ أَنْ تَرْتَاحَ وَتُوَفِّرَ طَاقَتَهَا فِي فَصْلِ الشِّتَاءِ!».

ابْتَسَمَتِ الأُسْتَاذَةُ وَقَالَتْ: «أَحْسَنْتِ يَا لِينةُ! فِي الخَرِيفِ تَتَوَقَّفُ الأَشْجَارُ عَنْ إِنْتَاجِ مَادَّةٍ اِسْمُهَا الكُلُورُوفِيل، وَهِيَ الَّتِي تَجْعَلُ الأَوْرَاقَ خَضْرَاءَ. وَمَعَ اِخْتِفَاءِ الكُلُورُوفِيل تَظْهَرُ الأَلْوَانُ الأُخْرَى الجَمِيلَةُ الَّتِي نَرَاهَا».

كَانَتْ نَظَرَاتُ لِينةَ حَوْلَهَا مَلِيئَةً بِالدَّهْشَةِ، وَكَأَنَّهَا تَرَى الطَّبِيعَةَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ. كَانَتْ تَشْعُرُ بِأَنَّ الأَشْجَارَ تُخْبِرُهَا أَسْرَارًا صَغِيرَةً، وَكَأَنَّهَا أَمَامَ لَوْحَةٍ فَنِّيَّةٍ سَاحِرَةٍ.

وَفِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ، وَعَدَتْ نَفْسَهَا أَن تُدَوِّنَ هَذِهِ المَعْلُومَاتِ فِي مذكَرَتِهَا لِتُخْبِرَ بِهَا عَائِلَتَهَا وَأَصْدِقَاءَهَا، حَتَّى يَسْتَمْتِعُوا بِالخَرِيفِ كَمَا تَفْعَلُ هِيَ الآن.

اِسْتِعْدَادَاتُ الحَيَوَانَاتِ لِلشِّتَاءِ

عَادَتْ لِينَةُ وَزُمَلاؤُهَا إِلَى مَدْرَسَةِ الزَّيْتُونِ الاِبْتِدَائِيَّةِ بَعْدَ نُزْهَتِهِمْ فِي الْغَابَةِ، وَهُنَاكَ بَدَأَتِ الْأُسْتَاذَةُ مَرْيَمُ دَرْسًا جَدِيدًا حَوْلَ كَيْفِيَّةِ اسْتِعْدَادِ الْحَيَوَانَاتِ لِفَصْلِ الشِّتَاءِ.

كَانَتْ لِينَةُ مُنْصِتَةً بِتَرْكِيزٍ شَدِيدٍ، خَاصَّةً عِنْدَمَا قَالَتِ الْمُعَلِّمَةُ: «بَعْضُ الْحَيَوَانَاتِ تَنَامُ طِيلَةَ فَصْلِ الشِّتَاءِ، مِثْلَ الدُّبَبِ، بَيْنَمَا تَهَاجِرُ بَعْضُ الْحَيَوَانَاتِ مِثْلَ الطُّيُورِ إِلَى أَمَاكِنَ أَكْثَرَ دِفْئًا. أَمَّا حَيَوَانَاتٌ أُخْرَى، مِثْلَ السَّنَاجِبِ، فَتَبْقَى فِي مَنَاطِقِهَا وَلَكِنَّهَا تُخَزِّنُ الطَّعَامَ جَيِّدًا قَبْلَ قُدُومِ الْبَرْدِ».

اِنْدَهَشَتْ لِينَةُ مِنْ ذَكَاءِ الْحَيَوَانَاتِ وَحِرْصِهَا عَلَى الْاسْتِعْدَادِ الْمُبَكِّرِ. كَانَتْ تُحِبُّ السَّنَاجِبَ تَحْدِيدًا، فَقَدْ كَانَتْ تَرَاهَا كَثِيرًا فِي حَدِيقَةِ بَيْتِهَا وَهِيَ تَقْفِزُ بِخِفَّةٍ مِنْ غُصْنٍ لِآخَرَ.

ثُمَّ قَالَتِ الْأُسْتَاذَةُ: «سَيَقُومُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِاخْتِيَارِ حَيَوَانٍ وَيُحَضِّرُ عَنْهُ مَشْرُوعًا صَغِيرًا يَشْرَحُ كَيْفَ يَسْتَعِدُّ لِلشِّتَاءِ».

اخْتَارَتْ لِينَةُ السَّنْجَابَ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي تُثِيرُ إِعْجَابَهَا. وَعِنْدَمَا عَادَتْ إِلَى الْمَنْزِلِ، أَمْضَتْ يَوْمَيْنِ وَهِيَ تَقْرَأُ الْكُتُبَ وَتُتَابِعُ الصُّوَرَ وَالْبَرَامِجَ الْوَثَائِقِيَّةَ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ السَّنَاجِبِ.

اِكْتَشَفَتْ أَشْيَاءً مُذْهِلَةً، مِنْهَا أَنَّ السَّنَاجِبَ تَمْتَلِكُ ذَاكِرَةً قَوِيَّةً جِدًّا تُسَاعِدُهَا عَلَى تَذَكُّرِ أَمَاكِنِ دَفْنِ الْجَوْزِ، وَأَنَّهَا قَدْ تُخْفِي مِئَاتِ الْحَبَّاتِ فِي أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ!

ضَحِكَتْ لِيَّانُ وَهِيَ تَقُولُ لِنَفْسِهَا: «السَّنَاجِبُ أَذْكَى مِمَّا نَعْتَقِدُ… إِنَّهَا مُذْهِلَةٌ بِالْفِعْلِ!»

احْتِرَامُ الطَّبِيعَةِ

فِي صَبَاحِ يَوْمِ الْاِثْنَيْنِ، وَقَفَ كُلُّ تِلْمِيذٍ أَمَامَ الصَّفِّ لِيُقَدِّمَ مَشْرُوعَهُ الصَّغِيرَ عَنِ الْحَيَوَانِ الَّذِي اخْتَارَهُ. وَعِنْدَمَا جَاءَ دَوْرُ لِينَةَ، شَعَرَتْ بِقَلِيلٍ مِنَ التَّوَتُّرِ، لَكِنَّهَا كَانَتْ مُسْتَعِدَّةً جَيِّدًا.

وَقَفَتْ بِثِقَةٍ أَمَامَ زُمَلَائِهَا وَبَدَأَتْ تَتَحَدَّثُ عَنِ السَّنَاجِبِ: كَيْفَ تَتَحَرَّكُ بِخِفَّةٍ، وَكَيْفَ تُخَزِّنُ الْجَوْزَ، وَكَيْفَ تَتَذَكَّرُ أَمَاكِنَهُ بِدِقَّةٍ مُذْهِلَةٍ. كَانَ التِّلْمِيذُ مَنْصِتِينَ بِفُضُولٍ، وَقَدْ أَعْجَبَتْهُمُ الْمَعْلُومَاتُ الَّتِي قَدَّمَتْهَا لِينَةُ.

بَعْدَ اِنْتِهَاءِ جَمِيعِ الْعُرُوضِ، ابْتَسَمَتِ الْأُسْتَاذَةُ مَرْيَمُ وَقَالَتْ: «أَحْسَنْتُمْ جَمِيعًا! وَالآنَ، أُرِيدُ أَنْ نَتَحَدَّثَ عَنْ مَوْضُوعٍ مُهِمٍّ جِدًّا: كَيْفَ نُظْهِرُ احْتِرَامَنَا لِلْطَّبِيعَةِ؟»

رَفَعَتْ لِينَةُ رَأْسَهَا بِاهْتِمَامٍ، بَيْنَمَا تَابَعَتِ الْأُسْتَاذَةُ: «احْتِرَامُ الطَّبِيعَةِ يَعْنِي أَلَّا نُلْقِيَ النِّفَايَاتِ فِي الْأَرْضِ، وَأَلَّا نُفْسِدَ أَمَاكِنَ عَيْشِ الْحَيَوَانَاتِ، وَأَنْ نُحَافِظَ عَلَى نَظَافَةِ الْحَدَائِقِ وَالْغَابَاتِ. كُلُّ تَصَرُّفٍ صَغِيرٍ مِنَّا يُمْكِنُ أَنْ يَصْنَعَ فَرْقًا كَبِيرًا فِي حِمَايَةِ الْبِيئَةِ».

تَذَكَّرَتْ لِينَةُ كَيْفَ رَأَتْ يَوْمًا فِي حَدِيقَةِ حَيِّ الزَّيْتُونِ أَحَدَ الْأَشْخَاصِ يَرْمِي وَرَقَةً عَلَى الْأَرْضِ دُونَ اهْتِمَامٍ، وَشَعَرَتْ وَقْتَهَا بِالانْزِعَاجِ. وَالآنَ فَهِمَتْ تَمَامًا لِمَاذَا يَجِبُ أَنْ نُحَافِظَ عَلَى نَظَافَةِ الْمَكَانِ الَّذِي نَعِيشُ فِيهِ.

قَالَتْ فِي نَفْسِهَا: «حَتَّى لَوْ لَمْ يَرَ أَحَدٌ مَا أَفْعَلُهُ، سَأَجْمَعُ النِّفَايَاتِ دَائِمًا… فَالطَّبِيعَةُ تَسْتَحِقُّ الْاحْتِرَامَ».

شَعَرَتْ لِينَةُ أَنَّ دَرْسَ الْيَوْمِ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ مَعْلُومَاتٍ، بَلْ كَانَ دَعْوَةً صَادِقَةً لِتَكُونَ إِنْسَانًا أَفْضَلَ وَأَكْثَرَ مَسْؤُولِيَّةً تُجَاهَ الْعَالَمِ مِنْ حَوْلِهَا.

وَعْدٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ

بَعْدَ كُلِّ مَا تَعَلَّمَتْهُ لِينَةُ عَنِ الطَّبِيعَةِ، قَرَّرَتْ أَنْ تَقُومَ بِخُطْوَةٍ عَمَلِيَّةٍ تُظْهِرُ حُبَّهَا الْحَقِيقِيَّ لِلْبِيئَةِ. جَمَعَتْ بَعْضَ أَصْدِقَائِهَا فِي حَيِّ الزَّيْتُونِ وَاقْتَرَحَتْ عَلَيْهِمْ إِنْشَاءَ مَشْرُوعٍ صَغِيرٍ يَهْدِفُ إِلَى تَنْظِيفِ الْحَيِّ وَغَرْسِ بَعْضِ الأَشْجَارِ.

رَحَّبَ الْجَمِيعُ بِالْفِكْرَةِ، وَبَدَأُوا فِي التَّخْطِيطِ لِيَوْمٍ كَبِيرٍ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ: «يَوْمُ النَّظَافَةِ الْخَضْرَاءِ».

وَعِنْدَمَا جَاءَ الْيَوْمُ الْمُنْتَظَرُ، تَفَاجَأَتْ لِينَةُ بِعَدَدِ الْجِيرَانِ الَّذِينَ انْضَمُّوا إِلَيْهِمْ. كَانَ الْأَطْفَالُ يَحْمِلُونَ أَكْيَاسَ الْقَمَامَةِ وَالْقُفَّازَاتِ، بَيْنَمَا سَاعَدَ الْكِبَارُ فِي غَرْسِ شَتَلَاتٍ صَغِيرَةٍ عَلَى جَوَانِبِ الطَّرِيقِ وَفِي الْحَدِيقَةِ الْعَامَّةِ.

كَانَتْ أَجْوَاءُ الْحَمَاسِ تَمْلَأُ الْمَكَانَ. ضَحِكَ الْأَطْفَالُ وَهُمْ يَجْمَعُونَ الْأَوْرَاقَ وَالنِّفَايَاتِ، وَشَعَرَ الْجَمِيعُ بِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ بِعَمَلٍ مُفِيدٍ وَمُمْتِعٍ.

وَفِي نِهَايَةِ الْيَوْمِ، بَدَا الْحَيُّ أَنْظَفَ، وَالْحَدِيقَةُ أَمْلَأَ بِالْحَيَاةِ، وَالْقُلُوبُ أَكْثَرُ فَخْرًا. قَالَ أَحَدُ الْجِيرَانِ مُبْتَسِمًا: «لَقَدْ فَعَلْتُمْ شَيْئًا رَائِعًا الْيَوْمَ!».

شَعَرَتْ لِينَةُ بِفَخْرٍ كَبِيرٍ، لَكِنَّهَا قَالَتْ فِي نَفْسِهَا: «هَذِهِ الْبِدَايَةُ فَقَطْ… سَأُواصِلُ حِمَايَةَ الطَّبِيعَةِ، وَسَأُشَجِّعُ الْآخَرِينَ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا».

فَهِمَتْ لِينَةُ أَنَّ التَّغْيِيرَ يَبْدَأُ بِخُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنَّ كُلَّ جُهْدٍ صَغِيرٍ يُمْكِنُ أَنْ يَصْنَعَ فَرْقًا كَبِيرًا. وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، أَصْبَحَتْ أَكْثَرَ حِرْصًا عَلَى الطَّبِيعَةِ الَّتِي تَعِيشُ فِيهَا.

سِرُّ الخَرِيفِ

حَلَّ آخِرَ أَيَّامِ الْخَرِيفِ، وَكَانَتْ لِينَةُ تَقِفُ فِي شُرْفَةِ مَنْزِلِهَا فِي حَيِّ الزَّيْتُونِ تَتَأَمَّلُ الْأَشْجَارَ الَّتِي بَدَأَتْ تَفْقِدُ أَوْرَاقَهَا شَيْئًا فَشَيْئًا. رَغْمَ ذَلِكَ، لَمْ تَشْعُرْ بِالْحُزْنِ، بَلْ كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَى الْمَشْهَدِ وَكَأَنَّهَا تَفْهَمُ رِسَالَتَهُ الْعَمِيقَةَ.

فَكَّرَتْ فِي كُلِّ مَا تَعَلَّمَتْهُ خِلَالَ الْأَسَابِيعِ الْمَاضِيَةِ: كَيْفَ تُغَيِّرُ الطَّبِيعَةُ ثِيَابَهَا، وَكَيْفَ تَسْتَعِدُّ الْحَيَوَانَاتُ لِلْبَرْدِ، وَكَيْفَ يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُصْبِحَ جُزْءًا جَمِيلًا مِنْ هَذَا التَّوَازُنِ الرَّائِعِ.

سَمِعَتْ صَوْتَ وَالِدَتِهَا تُنَادِيهَا: «هَيَّا يَا لِينَةُ، سَنَذْهَبُ فِي نُزْهَةٍ صَغِيرَةٍ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ فَصْلُ الشِّتَاءِ».

خَرَجَتِ الْعَائِلَةُ إِلَى غَابَةِ الْبَلْدَةِ لِلْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ فِي هَذَا الْعَامِ. وَبَيْنَمَا كَانَتْ تَمْشِي فَوْقَ بَسَاطِ الْأَوْرَاقِ الذَّهَبِيَّةِ، شَعَرَتْ لِينَةُ بِاِمْتِنَانٍ كَبِيرٍ لِكُلِّ مَا حَوْلَهَا.

نَظَرَتْ إِلَى السَّمَاءِ الْمُلَبَّدَةِ بِالْغُيُومِ وَقَالَتْ فِي سِرِّهَا: «الْخَرِيفُ لَيْسَ مُجَرَّدَ فَصْلٍ… إِنَّهُ مُعَلِّمٌ حَكِيمٌ».

أَمْسَكَتْ وَالِدَتُهَا بِيَدِهَا وَسَارَتَا مَعًا، بَيْنَمَا كَانَتِ الْأَشْجَارُ تُوَدِّعُ مَوْسِمَهَا بِهُدُوءٍ وَرِقَّةٍ. أَدْرَكَتْ لِينَةُ أَنَّ التَّغْيِيرَ جُزْءٌ مِنْ جَمَالِ الْحَيَاةِ، وَأَنَّ لِكُلِّ فَصْلٍ دَوْرَهُ وَرُوعَتَهُ.

وَفِي عَوْدَتِهَا إِلَى الْمَنْزِلِ، قَالَتْ لِوَالِدَتِهَا: «أُمِّي… أَعِدُكِ أَنَّنِي سَأَحْمِي الطَّبِيعَةَ دَائِمًا. هَذَا وَعْدٌ مِنِّي لِلْخَرِيفِ وَلِكُلِّ الْفُصُولِ».

ابْتَسَمَتْ وَالِدَتُهَا وَرَبَتَتْ عَلَى كَتِفِهَا قَائِلَةً: «وَأَنَا أَثِقُ بِأَنَّكِ سَتَفْعَلِينَ، يَا صَغِيرَتِي».

وَهَكَذَا انْتَهَى الْخَرِيفُ، لَكِنَّ الدُّرُوسَ الَّتِي اكْتَسَبَتْهَا لِينَةُ سَتَبْقَى تُرَافِقُهَا طِوَالَ الْعُمْرِ. فَقَدِ اكْتَشَفَتْ أَنَّ سِرَّ الْخَرِيفِ الْحَقِيقِيَّ هُوَ التَّغْيِيرُ الَّذِي يَصْنَعُ الْجَمَالَ.

قَامُوسُ الكَلِمَاتِ

  • الكُلُورُوفِيل: مَادَّةٌ تُعْطِي لِلأَوْرَاقِ لَوْنَهَا الأَخْضَرَ.
  • السَّنْجَب: حَيَوَانٌ صَغِيرٌ يَعِيشُ عَلَى الأَشْجَارِ وَيُحِبُّ الجَوْزَ.
  • بَسَاطُ الأَشْجَار: الأَوْرَاقُ الَّتِي تُغَطِّي الأَرْضَ فِي الخَرِيفِ.

أَسْئِلَةٌ وَأَجْوِبَةٌ

لِمَاذَا تَسْقُطُ أَوْرَاقُ الأَشْجَارِ فِي الخَرِيفِ؟

لِأَنَّ الأَشْجَارَ تُوَفِّرُ طَاقَتَهَا لِلشِّتَاءِ وَيَخْتَفِي مَادَّةُ الكُلُورُوفِيل.

كَيْفَ يَسْتَعِدُّ السَّنْجَبُ لِلشِّتَاءِ؟

يُخَزِّنُ حَبَّاتِ الجَوْزِ فِي أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ.

مَا هِيَ طُرُقُ حِمَايَةِ الطَّبِيعَةِ؟

 عَدَمُ رَمْيِ النُّفَايَاتِ، وَالْحِفَاظُ عَلَى الْحَدَائِقِ، وَغَرْسُ الْأَشْجَارِ وَحِمَايةُ الْحَيَوَانَاتِ.

نَحْنُ نُرِيدُ سَمَاعَ رَأْيِك!

مَا أَكْثَرُ شَيْءٍ أَحْبَبْتَهُ فِي حِكَايَةِ لِـينَةَ؟ هَلْ تُحِبُّ فَصْلَ الخَرِيفِ أَيْضًا؟ اكتُبْ لَنَا تَعْلِيقَكَ فِي الأَسْفَل… سَنَكُونُ سُعَدَاءَ بِقِرَاءَتِهِ!

تعليقات

عدد التعليقات : 0